محمد بن وليد الطرطوشي
297
سراج الملوك
وفي منثور الحكم : من أفشى سرّه كثر عليه المتآمرون . وقال الشاعر : وسرّك ما كان عند امرئ * وسرّ الثلاثة غير الخفىّ وقال آخر : ولا تنطق بسرّك ، كلّ سرّ * إذا ما جاوز الاثنين فاشى وقال آخر : تبوح بسرّك ضيقا به * وتبغى لسرّك من يكتم وكتمانك السرّ فيما تخاف * وفيما تحاذره أحزم إذا ذاع سرّك من مخبر * فأنت إذا لمته ألوم وقال آخر : إذا ما ضاق صدرك من حديث * وأفشته الرّجال فمن تلوم وإن عاتبت من أفشى حديثي * وسرّى عنده فأنا الملوم وقال حكيم : ما كتمته من عدوّك فلا تطلعنّ عليه صديقك ، فإن لم يكن لك بد من إذاعته لقرينة تقتضيه من صديق مساهم ، أو استشارة ناصح مسالم ، فمن صفات أمين الأسرار أن يكون ذا عقل ودين ونصح ومروءة ، فإنّ هذه أمور تمنع الإذاعة وتوجب حفظ الأمانة ، ومن كملت فيه فهو عنقاء مغرب « 1 » . ولا تودع سرّك عند من يستدعيه ، فإنّ طالب الوديعة خائن . قال صالح بن عبد القدوس « 2 » : لا تذع سرّا إلى طالبه منك ، والطالب للسرّ مذيع . وفي الجملة : إذا زال سرّك عن عذبة لسانك « 3 » ، فالإذاعة مستولية عليه ، وإن أودعته قلب ناصح محبّ ، فاحتمال مرارة الكتمان على قلبك أسهل عليك من التململ بتمليك سرّك غيرك . واعلم أن إفشاء سرّ غيرك ، أقبح من إظهار سرّ نفسك ، لأنه يبوح بإحدى
--> ( 1 ) عنقاء مغرب : العنقاء المغرب : طائر مجهول الجسم لا وجود له ، ويقال في الأخبار عن هلاك الشئ وبطلانه « حلقت به في الجو عنقاء مغرب » اى هلك وبطل ( 2 ) صالح بن عبد القدوس : أبو الفضل ، شاعر حكيم ، كان يعظ الناس في البصرة ، شعره كله أمثال وحكم ، اتهم بالزندقة فقتله الخليفة المهدى ببغداد نحو سنة 160 ه ( 3 ) عذبة اللسان : طرفه .